ربما كان أول ما رأت عيني الطفولية بعد وجه أمي وبسمة أبي، لم يكن مرقده بعيدا عن غرفة عيشنا، فما أن تخرج من الحجرة حتى يواجهك واقفا أو راقدا فى مرقده، كان ظهره - حين يرقد - مرتعي وساحة لهوي، كان الأرجوحة حيث لا طاقة لنا بأرجوحات، وكان جبلي أتسلقه بعدما حالت الطبيعة بيننا وبين هذه المتعة، كان ظهره مهادا آمنا حيث يبلغ التعب والإرهاق من الطفل مبلغه، ولا أذكر أنه خان طفولتي يوما وأفزعني حين نومي.
كثيرا ما رافقته حين تعلمت المشي من البيت إلى الحقل قائدا أو راكبا، لا أذكر أنه استصغرني يوما، أو استقل قوة ساعدي، منحني بكل ما لديه من قوة ما بخل علي به أقراني من الصغار، كان يرقبني بعين المحب المقدر لإنسانيتي ! كانت عيناه دوما تحمل معنى لا يُدْرك كنهه، نظرات الحكيم حين يتلفت فى سيره وكأنه طرح أسئلة كبرى على نفسه ويحاول الإجابة عنها، صبر الأمهات الحانيات حين لا يعصي لك أمرا ولا يئن بأي حمل رغم قدرته المطلقة على إعلان العصيان!
علقت بنفسي صورة إنسانية عنه من واقع علاقتي المباشرة به ومن واقع حكي أبي عنه، فما كان حديثه عنه إلا كحديثه عن البشر فهو قوي بينما غيره ضعيف، هو يدرك ما يريده بينما غيره من الإبل لا تفهم مراد أصحابها، لا يمد فمه على مزروعات أراضي الجار ترفعا وزهدا ! يحسن الصيام بينما غيره يغالط. تصرفات لا تعهدها فى حيوان، بل لا تصادفها فى كثير من البشر!
حين كبرت وفكرت فى حقيقة طبيعة هذا الكائن، مرت برأسي خيالات عن كونه قادما من عالم آخر .. ليس حيوانا كما نصنفه، فهو أكثر من مجرد حيوان، فما قاله أبي - على ما به من مبالغات - لم تكذبه تجربتي الطفولية معه، لكن يبدو أن البشر أبوا إلا تصنيفه حيوانا، أتعجب ألم يروا منه ما رأيت؟!
رفيق طفولة - محمد عجلان
4/
5
بواسطة
غير معرف