الاثنين، 14 أبريل 2014

غبائيات طفل - محمد عجلان

غبائيات طفل - محمد عجلان

فى 1992 كنت طالبا بالصف الثاني الإعدادي، كانت الحصة الأولى فى مادة العلوم، حيث لم تكن المدرسة بعد مرور أكثر من شهر قد وفرت لنا مدرسا لتدريس هذه المادة، وبعد طول عناء وبحث منهم وسعادة وعدم انتظار منا بالأساس، جاءنا شخص قيل – والعهدة على ناظر المدرسة آنذاك- أنه مدرس المادة، لم تكن ملامحه تشي أن قدميه دلفتا مدرسة من قبل، قصير، نحيف، زائغ النظرات، متيبس الوجه كأنه خارج لتوه من مقبرة، يبحث عن ريقه وكأنه أكل ملحا قبل الدخول إلى الفصل، ملابسه تعكس ملامحه فى حالة من التوافق الفوضوي، يمشي كأنه سيسقط بين لحظة وأخرى، أحدثت نظراته الغريبة المريبة التي أخذ يوزعها بين الطلبة فور دخوله الفصل أثرها فى النفوس، فإذا بالبعض يتغامز، بينما آخرون أصابتهم الدهشة للوهلة الأولى، فى حين اندفع البعض الآخر فى ضحك هستيري غير قادرين على السيطرة على أنفسهم، فما كان منه إلا أن يمارس علينا طقسا دراسيا معتادا وهو الضرب، وما أن فرغ من ضرب الطلبة الضاحكين، إذا بالطبيعة تعلن غضبها علينا، وكأنها تدافع عن كائن أرسلته فى مهمة كونية فى مدرستنا ولم نحسن استقباله، فأخذت المدرسة تهتز هزة عنيفة لم نعهدها من قبل، خرج الجميع عن صوابه، وما أن لمح المدرس الخوف باديا على وجوهنا، فإذا به – بحكم كونه مدرس علوم - يقول: ألا تعرفون ما هذا؟ ودون أن ينتظر إجابة طبعا قال: إنه زلزال. فما كان من الجميع دون أن يدرك حقيقة الكلمة إلا أن يقفز من النافذة، خاصة أننا كنا فى الدور الأرضي. وكان المدرس بالطبع فى مقدمة القافزين.

وبينما الجميع يفرون هربا من النوافذ والأبواب نجاةً بأرواحهم، إذا بغبائي يحاصرني ويحضني شيطاني على أن أبقى بعض الوقت أجمع بعض قطع الطباشير الملقاة على أرضية حجرة الدراسة؛ كي أشوه بشخبطاتي الطفولية جدران القرية، ممارسا دوري الإبداعي على الجدران، أشتم هذا وأسب ذاك، بدءا من الزملاء وصولا لآبائهم وأمهاتهم إن اقتضت ظروف الشيطنة، خاصة أولئك الذين لا أستطيع مواجهتهم بالشتائم، إما خوفا أو حرجا، وإيمانا مني بقوة الكلمة المكتوبة على الحائط، فالشتيمة المباشرة – إن استطعت إليها سبيلا – تنتهي بانتهاء الموقف، الذي ربما يكون عراكا أنهزم فيه فى الغالب، أو تبادلا لإطلاق الشتائم، وكنت بليدا فى سرعة القذائف الشتائمية، فما أن أبدأ معركة السب والقذف حتى تبدو على وجهي المحمر ونظراتي الغاضبة أني أوشكت على الانهزام، لكن الشتائم الموثقة على الحائط تحميني من ضعفي فى المواجهة، وفى نفس الوقت أضمن أن يقرأها أغلب الأطفال وكذلك الكبار، فيصل الأمر ببعض الأطفال إلى حد معايرة المشتوم بهذه المكتوبات، وبذلك أكون قد شتمته وأصبته بالعار الذي سيلاحقه حتى تزول إبداعاتي من على الحائط.

وكأن الله لم يشأ أن تذهب جهودي فى سرقة الطباشير سدى، وأراد أن يمنحني فسحة من الوقت كي أمارس هواياتي التي عرضت نفسي من أجلها للخطر، فإذا بالإجازات تتلاحق بسبب الآثار الكارثية التي خلفها هذا الزلزال البغيض. ولم أدرك حقيقة ما حدث إلا بعد سنوات، فبينما كنت غارقا فى طفولتي كانت مصر تنتحب، ومازالت الآثار القاسية لزلزال لم أعرف منه سوى الهزة والطباشير باقية فى عشوائيات سكنتها أسر لم تجد عنها بديلا بعد انهيار كل شيء، هذا إن كانوا نجوا بالأساس من قبضة الطبيعة القاسية.
رفيق طفولة - محمد عجلان

رفيق طفولة - محمد عجلان


ربما كان أول ما رأت عيني الطفولية بعد وجه أمي وبسمة أبي، لم يكن مرقده بعيدا عن غرفة عيشنا، فما أن تخرج من الحجرة حتى يواجهك واقفا أو راقدا فى مرقده، كان ظهره - حين يرقد - مرتعي وساحة لهوي، كان الأرجوحة حيث لا طاقة لنا بأرجوحات، وكان جبلي أتسلقه بعدما حالت الطبيعة بيننا وبين هذه المتعة، كان ظهره مهادا آمنا حيث يبلغ التعب والإرهاق من الطفل مبلغه، ولا أذكر أنه خان طفولتي يوما وأفزعني حين نومي.

كثيرا ما رافقته حين تعلمت المشي من البيت إلى الحقل قائدا أو راكبا، لا أذكر أنه استصغرني يوما، أو استقل قوة ساعدي، منحني بكل ما لديه من قوة ما بخل علي به أقراني من الصغار، كان يرقبني بعين المحب المقدر لإنسانيتي ! كانت عيناه دوما تحمل معنى لا يُدْرك كنهه، نظرات الحكيم حين يتلفت فى سيره وكأنه طرح أسئلة كبرى على نفسه ويحاول الإجابة عنها، صبر الأمهات الحانيات حين لا يعصي لك أمرا ولا يئن بأي حمل رغم قدرته المطلقة على إعلان العصيان! 

علقت بنفسي صورة إنسانية عنه من واقع علاقتي المباشرة به ومن واقع حكي أبي عنه، فما كان حديثه عنه إلا كحديثه عن البشر فهو قوي بينما غيره ضعيف، هو يدرك ما يريده بينما غيره من الإبل لا تفهم مراد أصحابها، لا يمد فمه على مزروعات أراضي الجار ترفعا وزهدا ! يحسن الصيام بينما غيره يغالط. تصرفات لا تعهدها فى حيوان، بل لا تصادفها فى كثير من البشر! 

حين كبرت وفكرت فى حقيقة طبيعة هذا الكائن، مرت برأسي خيالات عن كونه قادما من عالم آخر .. ليس حيوانا كما نصنفه، فهو أكثر من مجرد حيوان، فما قاله أبي - على ما به من مبالغات - لم تكذبه تجربتي الطفولية معه، لكن يبدو أن البشر أبوا إلا تصنيفه حيوانا، أتعجب ألم يروا منه ما رأيت؟! 
الإفتاء السياديني - محمد عجلان

الإفتاء السياديني - محمد عجلان


الإفتاء السياديني، أو الإفتاء السياسي باسم الدين، هذا النوع من الفتاوى يشكك المواطن - خاصة فى ظل احترامه لمن يطلقون على أنفسهم رجال دين - يشككه فى الدين نفسه، خاصة أن تلك الفتاوى تصدر وفق أهواء ومصالح سياسية لكيانات ينتمي لها هؤلاء المتحدثون الرسميون باسم الله، يوما كان التصويت بـ "نعم" على التعديلات الدستورية عين الإيمان وما عداه كان كفرا صريحا، ثم التصويت بـ "نعم" أيضا فى الاستفتاء على دستور 2012 هو الطريق الشرعي نحو الجنة، وها نحن الآن نرى الفتاوى تهل علينا من كل صوب وحدب معأو ضد الدستور الجديد أيضا باسم الله.

لكن ما علاقة الله بأن يقول المواطن رأيه بقبول أو رفض شيء معين، خاصة أن الله خيّرالإنسان فى قضية أكثر أهمية وخطورة من مسائل السياسة، وهي قضية الإيمان والكفر،فمن شاء فليؤمن ومن شاء الله فليكفر، هل يُخيّر الله عباده فى الإيمان أو الكفر به، ثم بعد ذلك يجبرهم على ما هو دون ذلك من مسائل السياسة والحياة ؟

من هنا تأتي شرعية ومنطقية وضرورة فصل الدين عن السياسة، بإبعاد الفتاوى عن دائرة السياسة، أيا كان نوع هذه الفتاوى، سواء كان أصحابها أنقياء السريرة ويريدون بها الصالح العام، أو كانوا تجار فتاوى يريدون بها وجه السياسة والمصلحة. لأن الفتوى فى النهاية هي وجهة نظر شخص تحتمل الصواب والخطأ، وبالتالي لا يجب أن نعلق بها مصائر أوطان فى الدنيا، ولا مصائر بشر فى الآخرة.

والأدهى من كل ما سبق، أن معظم من يتصدرون مشهد الإفتاء السياسي باسم الدين معزولون نفسيا عن تطورات المجتمع وما طرأ عليه من تغيرات، هم أعداء الحداثة وساكنو الماضي بشكله وعاداته وطريقة تفكيره، بما يعني أن فتاوى هؤلاء، حتى على صعيد الدين، صارت محل شك كبير.

ارحمونا يرحمكم الله !
فى مدح الصمت - محمد عجلان

فى مدح الصمت - محمد عجلان

كثرت الأقوال الداعية إلى الصمت والمحفزة عليه على مدار تاريخنا الطويل، منها على سبيل المثال لا الحصر: (بلغنا أن الحكمة عشرة أجزاء تسع منها بالصمت والعاشر في عزلة الناس)، (الكلام كالدواء إن أقللت منه نفع. وإن أكثرت منه قتل)، (الصمت أبلغ من الكلام)، (إذا كان الكلام من فضة فإن السكوت من ذهب)، إلى آخر هذه المقولات الداعية إلى الصمت والمطالبة بالركون إليه. 


لكن السؤال الذي يطرح نفسه الآن: هل كان التحفيز على الصمت آلية من آليات السلطة على مدار التاريخ العربي؛ بهدف تهيئة المواطن كي يشب صامتا عما يرى ويدور من حوله، موهمةً إياه أن الصمت نوع الحكمة، حتى وإن كانت حكمة زائفة؟ 

هل كان الصمت هدفا سلطوياً ومهرباً جماهيريا فى الوقت نفسه؟ بمعنى هل كان الصمت نافعا لطرفي العملية السياسية، وهما الحاكم والمواطنون (الرعية) فى الآن نفسه، حيث أن الصمت يحقق راحة السلطة بتكميم أفواه المواطنين، لكن بآلية لا توحي بالاستبداد المباشر الذي ربما استفز البعض واستثار الحمية فيهم، لكن عن طريق أدلجة الصمت وجعله معيار الوعي والحكمة وحسن الأدب أيضا.

ومن ناحية ثانية، هل كان الصمت يساعد المواطنين فى خداع أنفسهم تحت حجة الصمت البليغ الذي هو أكثر فائدة من الكلام، فيصمتون عما يدور حولهم من مظالم، محاولين بذلك اكتساب شرعيتهم الحكيمة – وإن كانت حكمة زائفة – من سكوتهم، وكأنه يمارسون نوعاً من التعالي على الوضع القائم، وإن كانت حقيقة الأمر هي الخوف من بطش الحاكم ؟

أعتقد أن الأمر فى حاجة إلى إعادة نظر فى كثير من موروثاتنا، لأن السياسي تسلل عبر كل ميراثنا تقريبا تحت لافتات دينية وأخلاقية، حتى صار الأيديولوجي وكأنه دين فوق الدين، لذا وجب علينا إخضاع التراث العربي الإسلامي لعملية فرز، فليس كل قديم أصيلا، فالجاهلي سبق الإسلامي، وفرعون سبق موسى، فإعادة النظر ضرورة بقاء وليست مجرد نوع من الترف العقلي.
على هامش معجم الوأد - محمد عجلان

على هامش معجم الوأد - محمد عجلان

يبدو للوهلة الأولى لمن يقرأ عنوان كتاب " معجم الوأد ، النزعة الذكورية فى المعجم العربى " أن الكتاب هو أحد الكتب المدافعة عن قضية المرأة والداعية إلى تحريرها ، وإن كان هذا صحيحا بالفعل، إلا أن العمود الفقرى للكتاب ليس قضية ذكورية الخطاب الثقافى العربى، بقدر ما هى عملية حفر نقدى فى أسس الثقافة العربية من خلال بحث العلاقة بين الوحدتين الأساسيتين لبناء أى مجتمع الرجل / المرأة، فهذا الالتواء فى العلاقة بين الرجل والمرأة التى أصَّل لها الخطاب المعجمى العربي، هو مجرد مثال للالتواء فى صميم الثقافة العربية، أو بمعنى أصح هو أساس الالتواء العام فى مسار الثقافة العربية .

وصميم ذلك الخطاب الذى حاول "معجم الوأد" تعريته هو الخطاب البدائى البدوى القابع خلف مفردات اللغة، حيث أن اللغة العربية لم تتخلص من بداوتها بعد دخولها أطوار التحضر، بل احتفظت بتلك البداوة وجعلتها معيار الفصاحة، فظلت بذلك حاملة للمضامين الثقافية لمجتمع البداوة، فأصبحت مفردات اللغة غير محايدة، بل معبأة بمخزون ثقافى بدوى، تحول من كينونته الزمنية المتغيرة ، إلى كينونة مطلقة تمارس دورا معياريا، وعندما يصبح البدوى البدائى معيارا، فالمنجز الحضاري بصفة عامة، وما يتعلق منه بطبيعة العلاقة بين الرجل والمرأة بصفة خاصة، سوف يخضع لتلك المعيارية البدوية، وبذلك تكون النتيجة محسومة لصالح البدائى فى مقابل المتحضر.

وقد قام صاحب "معجم الوأد" بمحاولة استكشافية للبحث عن جذور السرطان البدوى المتغلغل فى جسد الثقافة العربية، من أجل أن يلفت الأنظار إلى حيث يجب أن تلتفت، لأن أي محاولات تشخيصية للداء لا ترى تلك العلة الثقافية، فإنها تكون كمن يبنى على رمال متحركة، فلن يجدي نفعا أن نطالب بتحرير المرأة من سطوة الرجل دون فضح الأسس الثقافية التى قام عليها الخطاب التمييزى بين الطرفين، وما يؤكد رؤية الكاتب وعمق ما سعى إلى كشفه هو أن ذلك التمييز البدوى بين الرجل والمرأة وصل إلى حالة من الرمزية جعلت المستَبَدَ به / المرأة تقبل الوضع، بل وتدافع عنه فى وجه من يريد تغييره أو تعديله، باعتباره الوضع الطبيعى، وهنا مكمن الخطورة، حيث تحولت الضحية إلى شريك فى عملية القتل التمييزى المستمرة، فنحن بصدد مريض يرفض كل محاولات العلاج، حيث اكتسب التمييز الذكورى شرعيته من الضحية، وأصبح التمييز جزءا من الضمير الجمعى لأفراد المجتمع رجالا ونساء.

وفى سياق التأصيل لذلك الخطاب الذكورى فقد تحولت الرؤية الدونية للمرأة إلى كيان ثقافى حاكم لكل من الرجل والمرأة فى آن واحد، فأصبحت المرأة فى الثقافة العربية لا تخرج عن سياق النموذج الثقافى الذكورى، ويبدو ذلك صارخا من خلال نظرة المجتمع برجاله ونسائه لإنجاب الذكر، وهذه الذكورية هى ميراث عربى بدوى قبل إسلامى ظلت عالقة بعقلية العربى وتم تحويلها من خلال رمزية اللغة - زورا وبهتانا – إلى جزء من الإسلامى، رغم أن الإسلامى منها براء، بل جاء الإسلامى – ضمن أهم ما جاء به - للقضاء على مخلفات تلك العقلية الجاهلية، ولكن يبدو .. ليس كل ما يبتغيه الإسلام يدركه !

وأصبحت الإشكالية الآن فى عدم التفريق بين الميراث العربى الجاهلى والميراث الإسلامى، بل حصل خلط بين الطرفين، تم بناء عليه اعتبار كل ما هو إسلامى عربى وكل ما هو عربى إسلامى، رغم أن الإسلام قد جاء للقضاء على بعض ذلك العربى البدوى، ولكن لم يستطع الإسلام حتى الآن أن يقضى على كل الميراث العربى الجاهلى، ويبدو أنه لن يستطيع ذلك دون الالتفات إلى حقيقة العلة التى أشار إليها كاتب "معجم الوأد" ومحاولة علاجها وفقا لما أشار إليه وما يمكن أن يضاف إلى مقترحاته. وبين حين وآخر تظهر الدلائل الفاضحة لذلك الميراث الذكورى الجاهلي، تحت دعاوى عديدة منها الحفاظ على المرأة واحترامها، دون احترام لها كفاعل، بل الاحترام الذكورى الذى يراها دائما قاصرة عن الفعل، بل مفعولا بها على كافة المستويات، حيث لم تخرج عن حيز الأداة الاستمتاعية التى يحاول مالكها أن يصونها لاستمرار الدور الذى حدده لها .

وتكمن أهمية وكذا خطورة "معجم الوأد" ليس فقط فبما قدمه من تشخيص لمكمن العلة فى طبيعة العلاقة بين الرجل والمرأة فى ظل الخطاب العربى، ولكن الخطورة فيما لم يعلن عنه الكتاب صراحة، وإن لم يتركه فى حيز المسكوت عنه، حيث أنه أحال إليه من خلال ما قدمه فى تحليله للعلاقة بين طرفى المجتمع، وما أعنيه هو البعد السياسى لـ "معجم الوأد" حيث أن الحفر فى طبقات الثقافة العربية لفت الأنظار إلى أن الاستبداد الذى يحكم العلاقة بين الرجل والمرأة دون الارتكان إلى مبررات موضوعية لذلك التمييز، ليس بعيدا عن الاستبداد على المستوى السياسى، حيث أن الثقافة التى تتقبل دون كبير عناء ذلك التمييز الظالم بين طرفيها، لن تمانع فى تقبل أى نوع آخر من الاستبداد بين أى طرفين (الحاكم والمحكومين) وتلك الثقافة التى تقبلت ذلك التمييز الذكورى، بل حولته إلى كيان شرعى على المستوى المعرفى والاجتماعى معا، يمكنها أن تقوم بالتأصيل للخطاب الاستبدادى على المستوى السياسى، ولما لا ما دام المنبع واحدا !!

وإذا كان التمييز الذكورى المتأصل فى صميم الثقافة العربية قد أدى إلى علاقة غير طبيعية وشائهة بين الرجل والمرأة، فإن ذلك قد انسحب على العلاقة السياسية بين الحاكم والمحكومين، حيث انتقلت القبلية بمخزونها المنتن الذى نهى عنه الرسول صلى الله عليه وسلم، إلى صميم البنية السياسية العربية، بل تم ممارسة نفس الدور التمييزى باعتبار الحاكم كائنا فوق بشرى، وأن حكمه أيا كانت سوءاته خير من الفوضى، وتحويل العلاقة من حيزها السياسى إلى حيز أبوى، مما يخرجها عن سياق المساءلة السياسية إلى علاقة احترام وطاعة .

وبدت تلك العلاقة الشائهة من خلال التأصيل للاستبداد واعتباره أفضل من الفتنة، (سلطان غشوم خير من فتنة تدوم) فأصبح الخيار فى التراث السياسى العربى هو بين الاستبداد والفتنة، وليس بين الاستبداد والحرية، وتم ذلك من خلال الغطاء الدينى، وإن لم يكن الغطاء الدينى هو الوحيد فى أداء تلك المهمة، غير أن عناصر أخرى قد تكاتفت فى الوصول إلى تلك الغاية، وأبرزها ما أشار إليه الكاتب، ألا وهو اللغة المسكونة بالانحرافات التمييزية.

ولذا أصبحت العلاقة بين الحاكم والمحكوم تحمل نفس الملامح التى تحملها العلاقة بين الرجل والمرأة، فكأننا بالحاكم يحمل نوعا من الذكورة السياسية تؤهله لأن يكون قيما مطلق اليد فى التصرف فى مقدرات المحكومين، الذين يمكن اعتبارهم يمثلون الأنثوية بإيحاءاتها السلبية فى العقلية البدوية الكامنة فى الثقافة العربية، فلقد انتقلت معادلة رجل / امرأة – ذكر / أنثى من سياقها الجنسى إلى السياق السياسى، ولا صعوبة فى ذلك على اعتبار أن الجنسى والسياسى يصنفان ضمن إطار السياق الثقافى العام، فذلك يجعل نقل تلك المعادلة من حيز الجنسى إلى الحيز السياسى نوعا من التوافق الثقافى.

فى ذم طالب السلطة - محمد عجلان

فى ذم طالب السلطة - محمد عجلان

كثيرة هي الأحاديث التي وردت – وفقا لتأويلات الكثيرين – فى ذم طالب السلطة وعدم توليته، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن سمُرة في حديث أخرجه الإمامان البخاري ومسلم: "يا عبد الرحمن بن سمرة لا تسأل الإمارة، فإنك إن أوتيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن أوتيتها من غير مسألة أُعنت عليها. وقال الرسول لأبي ذر الغفاري بعدما سأله الإمارة: "يا أبا ذر، إنك ضعيف وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها".. وفي حديث آخر يتحدث النبي عن الإمارة الصغرى: "ما من أمير عشرة إلا يؤتى به يوم القيامة مغلولاً لا يفكه إلا العدل أو يوبقه الجور". 

لكن السؤال المطروح الآن وقبل كل شيء ليس نص الأحاديث، أو صحتها من عدمها، ولكن لمصلحة من تؤول تلك الأحاديث باعتبارها فى ذم طالب السلطة أو الساعي إليها؟ وباستقراء تاريخنا السياسي نجد أن الحكام لم يكونوا بمعزل عن الخطاب الديني بشكل خاص والثقافي بشكل عام، وأن الترويج لقراءة بعينها كانت يد السلطة دائما تدفعها من الخلف، وبالمقابل تضع العراقيل فى سبيل قراءات أخرى لا تناسبها. نجد من خلال التأمل فى "ذم طالب السلطة" والنظر إلى السلطة على أنها غُرم فى الدنيا وندم فى الآخرة، نجد أنها جزء من خطاب محافظ تروج له السلطة القائمة، أو على الأقل تمنحه مساحة تحرك لا تمنحها لغيره من الخطابات الموازية، على اعتبار أن الترويج لهذه القراءة يحقق مكسبا واضحا لأي سلطة قائمة، لأنها تغلق الطريق أمام راغبي التغيير، وتصويرهم للمجتمع على أنهم طُلاب سلطة، وبالتالي فهم معارضون لتوجيهات الدين الداعية لعدم طلب السلطة.

إلا أن هذا القراءة للنص النبوي هي قراءة منقوصة، خاصة أنه ورد فى الأحاديث ما يؤكد على أن طالب السلطة يُرفض طلبه، إذا كان غير مؤهل لتولي السلطة، وأول ما ورد فى رد الرسول على أبي ذر هو قوله "إنك ضعيف" والضعف هنا هو عدم الكفاية أو الكفاءة، رغم ما يتمتع به الصحابي الجليل من تقوى لا تخفى على أحد. ونجد أن الرسول استمر فى تأكيده قائلا: ".... إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها". فأخذها بحقها هو ما نتحدث عنه بمفرداتنا الحديثة بكلمة"الكفاءة" أو "الأهلية"، فلا ضير من طلب السلطة إذا كانت لديك المؤهلات لذلك، خاصة أننا حديثا لدينا آليات للحكم على الكفاءة، وليست المسألة كما كانت عليه زمن الرسول، فقد أصبحت السلطة تُطلب من الشعب لا من حاكم أو نبي، فأصبحت الكلمة كلمة شعب يرتكن فى حكمه على آراء متخصصين فى صحة ما يقوله طالب السلطة من عدمه.

ومن هنا نرى أن القراءة الخاصة بذم طالب السلطة هي قراءة لا تخرج عن أحد احتمالين، الأول هو كونها قراءة زهاد أتقياء لا يرغبون فى الدنيا، وبالتالي يفكرون فى السلطة بنفس المنطق، لأن عينهم ترقب الآخرة ولا تشغلها الدنيا، وهذه القراءة إن حسنت نوايا أصحابها لكنها لا تصلح كي تكون معيارا لممارسي الحياة. أم الاحتمال الثاني، هو أن هذه القراءة التي تجتزئ النص النبوي وتخرجه من سياقه العام، هي قراءة تستهدف خدمة السلطة وتشويه صورة معارضي الحكم والساعين نحو التغيير سواء بالقول أو الفعل. فتعمل على مناهضتهم عبر هذه القراءة لتنهي معركتها مع خصومها قبل أن تبدأ. وبالقطع فإن السلطة لا تنتج خطابها عبر السياسي وحده، لكنها إما أن توظف رجال دين لإنتاج خطاب يناسبها، أو تقوم بتوظيف قراءات أهل التقوى من أجل الترويج لخطابها فى مقابل غيره من خطابات التغيير، أو ربما تجمع بين الطرحين معا، بإنتاجها الخاص للديني عبر رجالاتها، داعمةً تحركها فى الوقت نفسه بقراءة الأتقياء من ذوي الخطاب الزهدي.

لا تنفي هذا القراءة السلطوية أو الزهدوية وجود قراءات أخرى ترى النص النبوي فى تمامه، وتؤكد على ما طرحناه من أن المعيار هو الكفاءة،وأن طلب السلطة ليس عيبا فى ذاته، فقد طلبها نبي الله يوسف حين قال: "اجعلني على خزائن الأرض"، مؤكدا على أهليته لتولي هذه المهمة، فقال:" إني حفيظ عليم"، ولم يطعن ذلك فى نبي الله يوسف، ولم يرد فى سياق القرآن أن طلبه للسلطة مذمة أو عيب، مما يؤكد على أن الكفاءة هي المعيار، خاصة أن يوسف لم يطلب هذه السلطة من منطلق كونه نبي الله الذي أيده الله بنصره بعد طول سجن، لكنه طلب مؤكدا طلبه بالكفاءة. وهناك من أكد على هذه الرؤية، لكنه كما سبق وذكرنا أن السلطة تروج لقراءات داعمة لبقائها، بينما تهمش القراءات الأخرى إما بالطعن فى أصحابها، أو بتضييق الخناق عليهم كي لا تنتشر وتهدد سلطة الحكم.

وانطلاقا مما سبق، يجب أن نؤكد على أن إقحام الديني فى السياسي يمنح السلطة مساحة كبيرة للتلاعب بالقراءات المتعددة، خاصة فى ظل وجود وسائل الإعلام الحديثة، التي تسهل على السلطة مهمتها، فتنقل خطابها على أوسع نطاق وتقصى القراءات المناوئة، وبذلك تحكم قبضتها على عقول الجماهير، فتدفعهم إلى تبني وجهة نظرها فى الوقت الذي يظنون أنهم يختارون ما يرون أنه صحيح، فعملية الفصل بين الديني والسياسي سوف تغلق على السلطة بابا مهما فى تلاعبها بعقول الشعوب، وبالتالي أرى أنه من الصواب ألا نقحم الدين فى السياسة حتى لا نجد أنفسنا فى مواجهة مع سلطة تسيء استخدام هذا الخطاب أو ذاك ضد شعبها.